مجمع البحوث الاسلامية
713
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
جلّ ثناؤه : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ؟ وهل يجوز أن يبدّلوا جلودا غير جلودهم ، الّتي كانت لهم في الدّنيا ، فيعذّبوا فيها ؟ فإن جاز ذلك عندك ، فأجز أن يبدّلوا أجساما وأرواحا غير أجسامهم وأرواحهم ، الّتي كانت لهم في الدّنيا فتعذّب ، وإن أجزت ذلك ، لزمك أن يكون المعذّبون في الآخرة بالنّار ، غير الّذين أوعدهم اللّه العقاب على كفرهم به ، ومعصيتهم إيّاه ، وأن يكون الكفّار قد ارتفع عنهم العذاب ؟ قيل : إنّ النّاس اختلفوا في معنى ذلك ، فقال بعضهم : العذاب إنّما يصل إلى الإنسان الّذي هو غير الجلد واللّحم ، وإنّما يحرق الجلد ليصل إلى الإنسان ألم العذاب ، وأمّا الجلد واللّحم فلا يألمان ؛ قالوا : فسواء أعيد على الكافر جلده الّذي كان له في الدّنيا ، أو جلد غيره ، إذ كانت الجلود غير آلمة ولا معذّبة ، وإنّما الآلمة المعذّبة النّفس الّتي تحسّ الألم ، ويصل إليها الوجع ؛ قالوا : وإذا كان ذلك كذلك ، فغير مستحيل أن يخلق لكلّ كافر في النّار في كلّ لحظة وساعة من الجلود ما لا يحصى عدده ، ويحرق ذلك عليه ، ليصل إلى نفسه ألم العذاب ، إذا كانت الجلود لا تألم . وقال آخرون : بل الجلود تألم ، واللّحم وسائر أجزاء جرم بني آدم ، وإذا أحرق جلده أو غيره من أجزاء جسده ، وصل ألم ذلك إلى جميعه . قالوا : ومعنى قوله : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها بدّلناهم جلودا غير محترقة ؛ وذلك أنّها تعاد جديدة ، والأولى كانت قد احترقت فأعيدت غير محترقة ، فلذلك قيل : ( غيرها ) لأنّها غير الجلود الّتي كانت لهم في الدّنيا ، الّتي عصوا اللّه وهي لهم . قالوا : وذلك نظير قول العرب للصّائغ إذا استصاغته خاتما من خاتم مصوغ ، بتحويله عن صياغته الّتي هو بها إلى صياغة أخرى : صغ لي من هذا الخاتم خاتما غيره ، فيكسره ويصوغ له منه خاتما غيره ، والخاتم المصوغ بالصّياغة الثّانية هو الأوّل ، ولكنّه لمّا أعيد بعد كسره خاتما ، قيل : هو غيره ، قالوا : فكذلك معنى قوله : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لمّا احترقت الجلود ، ثمّ أعيدت جديدة بعد الاحتراق ، قيل : هي غيرها ، على ذلك المعنى . وقال آخرون : معنى ذلك كلّما نضجت جلودهم : سرابيلهم ، بدّلناهم سرابيل من قطران غيرها ، فجعلت سرابيل القطران لهم جلودا ، كما يقال للشّيء الخاصّ بالإنسان : هو جلدة ما بين عينيه ووجهه ، لخصوصه به ، قالوا : فكذلك سرابيل القطران ، الّتي قال اللّه في كتابه : سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ إبراهيم : 50 . لمّا صارت لهم لباسا لا تفارق أجسامهم ، جعلت لهم جلودا ، فقيل : كلّما اشتعل القطران في أجسامهم واحترق ، بدّلوا سرابيل من قطران آخر . قالوا : وأمّا جلود أهل الكفر من أهل النّار ، فإنّها لا تحرق ، لأنّ في احتراقها إلى حال إعادتها فناءها ، وفي فنائها راحتها ، قالوا : وقد أخبر اللّه تعالى ذكره عنها أنّهم لا يموتون ، ولا يخفّف عنهم من عذابها . قالوا : وجلود الكفّار أحد أجزاء أجسامهم ، ولو جاز أن يحترق منها شيء فيفنى ، ثمّ يعاد بعد الفناء في